ابن الجوزي
337
صيد الخاطر
ما قد شرحته ، فان ضجت النفس لمراداتها فقل لها : ان كان عندك ايمان فاصبري ، وان أردت التحصيل لما يفنى ببذل الدين فما نفعك . فتفكري في العلماء الذين جمعوا من غير وجهه وفي المنمسين « 1 » الذين ذهب دينهم ، وزالت دنياهم . وتفكري في العلماء الصادقين كأحمد وبشر ، اندفعت الأيام وبقي لهم حسن الذكر . وفي الجملة « مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ » ورزق اللّه تارة بايعاد « 2 » الصبر على البلاء والأيام تندفع ، وعاقبة الصبر الجميل جميلة . 296 - كيف تعامل زوجة لا تحبها شكا رجل من بغضه لزوجته وقال : ما أقدر على فراقها لأمور منها كثرة دينها عليّ وصبري قليل ، ولا أكاد أسلم من فلتات لساني في الشكوى ، وفي كلمات تعلم بغضي لها . فقلت له : هذا لا ينفع وانما تؤتى البيوت من أبوابها ، فينبغي أن تخلو بنفسك فتعلم أنها إنما سلطت عليك بذنوبك فتبالغ في الاعتذار والتوبة ، فأما التضجر والأذى لها فما ينفع كما قال الحسن بن الحجاج : عقوبة من اللّه لكم فلا تقابلوا عقوبته بالسيف وقابلوها بالاستغفار . واعلم أنك في مقام مبتلى ولك أجر بالصبر « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » فعامل اللّه سبحانه بالصبر على ما قضى واسأله الفرج . فإذا جمعت بين الاستغفار وبين التوبة من الذنوب والصبر على القضاء وسؤال الفرج ، حصلت ثلاثة فنون من العبادة تثاب على كل منها . ولا تضيع الزمان بشيء لا ينفع ، ولا تحتل « 3 » ظنا منك انك تدفع ما قدر : « وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ » . * وقد روينا أن جنديا نزل يوما في دار أبي يزيد « 4 » ، فجاء أبو يزيد فرآه فوقف وقال لبعض أصحابه : ادخل إلى المكان الفلاني فاقلع الطين الطري فإنه من وجه فيه شبهة فقلعه ، فخرج الجندي .
--> ( 1 ) أي الملبسين - المدجلين - الذين يأكلون الدنيا بالدين وما أكثرهم . ( 2 ) كذا . ( 3 ) لا بل يحتال أن يتخذ الوسائل كلها ، ثم يرضى بما يكون : اعقلها وتوكل . ( 4 ) أي البسطامي .